الأحد، 7 سبتمبر، 2014

يوميات سائح و زوجته في مصر

السبت:
يومنا الأول في مصر كان لا بأس به، زوجتي جودي أحبت "هنا" أكثر مني، الحرارة كانت خانقة، لكن النسيم عندما يأتي يكون الجو معقولا، الأسعار أرخص من بلاد كثيرة زرناها من قبل، الفندق كان يمكن أن يكون محتملًا لولا انقطاع الكهرباء كل ساعتين تقريبًا، صحيح أن هناك مولدًا كهربائيًا يعمل لكنه ليس مؤهلًا لتشغيل التكييف، عندما أبديت اعتراضي على الأمر نصحني موظف الفندق ـ بلهجة لم أحسم إذا كانت تهكمًا أم شكوى ـ بتجريب الفنادق الغالية لأن الكهرباء لا تنقطع فيها أبدا. قرأت قبل أن آتي عن الزحام العبثي والتلوث الخانق وقذارة الشوارع وأفواج المتسولين التي تحاصرك أينما اتجهت، لذلك لا يمكن أن أقول أنني فوجئت بذلك، على العكس بدا لي المتسولون هنا أخف ظلًا وأكثر كبرياء من زملاء مهنتهم في الهند مثلا، لكن هناك شيئ وحيد لم أفهمه: لماذا يحاول كثيرون هنا أن يتحسسوا جسد زوجتي جودي بدعوى الترحيب بها؟
علي، مرشدنا السياحي الشاب، ارتبك عندما طلبت منه تفسيرا للظاهرة، ثم قال بنبرة حاول أن تكون مقنعة أن الأمر له علاقة برغبة المصريين الدائمة في التواصل الحميم، وأن حكاية التلامس ليست مسألة مستهجنة هنا، بدليل أنك يمكن أن تجد رجلين ينهالان على بعضهما بالقبلات والأحضان في وسط الطريق دون أن يثير ذلك اهتمام أحد، أعترف أنني ارتبكت عندما رأيت المشهد لأول مرة، فقد ناقض ما كنت قد قرأته من تحذيرات للمثليين الراغبين في زيارة مصر، لكنني فهمت من كلام علي أن القبلات متاحة للرجال طالما لم تكن فموية، والأحضان لا بأس بها على الإطلاق طالما لم تمتد الأيادي إلى المؤخرة، لكن لماذا إذن حاول أكثر من شخص تحسس مؤخرة جودي؟
ما يزعجني أن جودي لا تبدو منزعجة من ذلك، عندما قلت لها أني أشك في نوايا الكثيرين ممن يحتضنونها وهم يطلقون عبارات الترحيب بإنجليزيتهم الركيكة، لقد اعتبرت ذلك إطراءا لها، مضيفة أنها تفضل دفء الشرق على بلادنا التي أصبحت تحتاج إلى رفع لافتة "أحضان مجانية" لكي تتواصل جسديا مع الآخرين.     
الأحد:
يبدو لي بعد ثاني يوم من التجول في شوارع القاهرة أن المصريين يحبون رئيسهم مستر سيسي كثيرا، أينما اتجهت أرى صورًا له معلقة على كافة الحوائط، بعضها بملابسه العسكرية، وبعضها بملابسه المدنية وهو ينظر نحو اتجاه غير معلوم مبتسمًا ابتسامة غامضة، رأيت صورة له لم أفهمها تم فيها تركيب رأسه على جسد طائر قال علي أنه نسر، وصورة أخرى له وهو يمتطي أسدًا، علي قال أن المصريين يعشقون مستر سيسي لأنه خلصهم من احتلال مجموعة إجرامية من المصريين تسمى "الإخوان" وقام بإبادتهم من الوجود، ولذلك منحه المصريون رتبة الماريشال وعلقوا صورته في كل شبر، علي غضب عندما قلت أنني أعرف أن رتبة الماريشال تُمنح لمن يخوضون الحروب العسكرية مع الأعداء، فكيف تم منحها إذن لمستر سيسي لمجرد أنه قضى على مجموعة من الخارجين على القانون؟، وغضبه ازداد عنفًا عندما استغربت مصطلح إبادة الذي استخدمه علي وقلت له أنه يذكرني بما فعله هتلر مع اليهود، ونصحته إذا كان يحب مستر سيسي ألا يستخدم هذا التعبير علنًا لأن شيوع هذا التعبير يمكن أن يورط مستر سيسي، استغربت انفعال علي الشديد وقوله بعصبية أن أمثالي من الغربيين لا يفهمون حقيقة ما يجري في مصر التي تتعرض لمؤامرات دولية من الغرب الذي يكرهها، حاولت تهدئته بأن أؤكد له أنني أرغب في الفهم فقط وأنني لو لم أكن أحب مصر لما جئت لزيارتها برغم أن كل مواقع السياحة لا تنصح بذلك هذه الأيام.
 جودي قاطعتني راجية ألا نتحدث في السياسة، وطلبت من علي أن يقوم برفع صوت أغنية مزعجة راقصة الإيقاع تنبعث من كاسيت السيارة وبدأت في التمايل مع رفيقة رحلتنا ستيفاني التي تحلم بأن تتعلم الرقص الشرقي بعد تقاعدها، عندما نزل علي لشرب سيجارة بعيدا عنا، استدار سائق السيارة التي كانت تحملنا في طريقها إلى الأهرامات العظيمة، وطلب منا ألا نصدق علي لأنه مختل يؤيد سفاحا قام بقتل حوالي ألف مصري في يوم واحد وهو ما لم تفعله حتى اسرائيل مع الفلسطينين، قبل أن يقوم بعصبية برفع أربعة أصابع من يده اليمنى ويلوح بها في وجوهنا بشكل أفزع جودي التي مالت عليّ ورجتني ألا أفتح فمي بكلمة مع أحد، لأنني كلما فتحته لا أجلب سوى المشاكل.
استجبت لجودي واحتفظت بتساؤلاتي لنفسي، حتى عندما زادت بعد قليل تساؤلًا جديدًا، حين قال علي معتذرًا أننا لن نتمكن من زيارة الأهرامات اليوم، لأن "الإخوان الأوساخ" قاموا بقطع الطريق المؤدي إليها لكي يقوموا بضرب السياحة، علي فهم بالطبع سبب ملامح الدهشة على وجهي، فأضاف بحماس أن مستر سيسي قضى على قادة الإخوان لكن هناك الكثيرين منهم لا زالوا على قيد الحياة خارج السجون وأن ما يمنع مستر سيسي من إبادتهم هو الغرب الذي لا يكف عن ترديد شعارات حقوق الإنسان مع أنه يقتل الكثيرين عندما يكون ذلك في مصلحته، وأن الشيئ الوحيد الذي يغضبه من مستر سيسي هو أنه لا يريد أن يستجيب لرغبة ملايين المصريين في إبادة الإخوان عن بكرة أبيهم، بدا لي أن علي لم يفهم شيئا مما سبق أن قلته له، فقررت أن أسكت، لكن جودي هي التي تكلمت، ربما لكي تخمد رغبتي في الإعتراض، قائلة بابتسامة عريضة بلهاء "المهم أن يكون المصريون سعداء بما يفعله مستر سيسي".
الإثنين:
يوم جديد آخر من الزحام والعرق والذباب والضوضاء والملل الرهيب والقبح المنبعث من كل اتجاه والإستماع إلى الهراء الذي لا يكف عن التدفق من فم علي، لا جديد يمكن أن يقال اليوم، ولا شيئ يبهج سوى أن غدًا هو الأخير لنا في هذه المدينة التعيسة. 
الثلاثاء:
لم يرافقنا علي اليوم، قالوا لنا في شركة السياحة أن أخاه الأصغر قتل بطلق ناري في مظاهرة وهو خارج من الجامعة، عندما سألت عمن قتله، قاطعتني جودي قائلة بارتباك "هذا ليس مهما، فقط أبلغوه تعازينا"، قررنا أن نقضي وقتًا حرًا بمفردنا إلى أن يأتي مرشد جديد ليصطحبنا مساًء إلى جولة ختامية في القاهرة القديمة. غدًا سنذهب إلى شرم الشيخ، أنتظر ذلك بفارغ الصبر لكي يعوضني عن تجربتي البائسة، جودي البلهاء تسير فرحة بالنظرات التي يصوبها المارة إلى جسدها، بعد يوم واحد أدركت أن هذا ليس إطراءًا لجودي كما تتصور، شاهدت رجلا يمد يده ليتحسس مؤخرة امرأة تغطي كامل جسدها بالسواد، لم أخبر جودي بذلك طبعا، ستتهمني بأنني أغار منها لأنها تشعر بسعادة عارمة.
تجولنا في شوارع المدينة على غير هدى، نختار من الشوارع أقلها زحامًا وقبحًا، الجو اليوم كان جيدًا مقارنة بالأيام الماضية، تمنيت أن يكون اليوم ختامًا جيدًا لأيامنا في القاهرة، لكني لم أكن قد صادفت بعد تلك المصيبة التي يخبئها لنا القدر. كنا نسير في شارع يحاذي نهر النيل، ومع ذلك لم نتمكن من رؤية النيل إلا بصعوبة بالغة بسبب المباني ذات الأسوار العالية التي تحجب رؤيته، عندما سألت جودي عن الهدف من سيرنا في هذا الشارع إذن؟، طلبت أن أكف عن التذمر وأن أواصل المسير والإستمتاع بالهواء الجميل، قلت غاضبًا أنني سأسير فقط حتى نصل إلى أقرب جسر لنصعد عليه ونشاهد نهر النيل من فوقه ثم نذهب لنتغدى في أقرب مطعم متاح، هزت رأسها وواصلت السير أمامي، بعد قليل وفي شارع غير مزدحم  فاجأني مشهد لم أكن أتصور أنني سأراه يوما ما في أي شارع في أي مدينة من مدن العالم، شاهدت هنا كثيرًا أكوامًا من القمامة تملأ الشوارع، لكن هذا كان أمرًا محتملًا مقارنة بهذا المشهد الذي تلعب بطولته مجموعة من الفضلات البشرية الجافة تتراص متقاربة إلى جوار سور يحيط مبنى ما، كأنها تشكل متحفًا مفتوحًا للمخلفات البشرية.
 وقفت أنظر مذهولًا إلى المشهد الكريه قبل أن أنادي جودي التي ندّت منها صرخة فور رؤية المنظر الذي أشرت إليه، وقالت لي ساخطة أن عيني لا تلتقط سوى الأشياء القبيحة وأنها مرت إلى جواره دون أن تلحظ شيئا، تجاهلتها وأخرجت كاميرتي لكي أصور المنظر، وأنا أتصور الضحك الهستيري الذي يمكن أن يبعثه لدى أصدقائي عندما يرونه، اتسعت ضحكتي عندما بدا لي من خلال العدسة أن هناك مجهودا في تشكيل بعض الفضلات لكي تكون ملتفة بشكل مخروطي أحيانا، فجأة اسودت الدنيا بعد أن هوت يد ثقيلة على مؤخرة رأسي، وخطفت يد أخرى الكاميرا مني ورمتها لتسقط على الأرض مهشمة، وجدت نفسي محاطًا بعدد يتزايد من الناس الذين بدا جليًا أنهم غاضبون بشدة، لا أزعم أنني فهمت كل ما قالوه، لكن ما تمكنت من تجميعه مما قيل بإنجليزيتهم، جعلني أفهم أنني وجودي متهمان بتشويه سمعة مصر والسعي لإلتقاط صور تسيئ إليها وتمنع السائحين من زيارتها، أكثر المتحدثين إجادة للإنجليزية اتهمنا بأننا دون شك أعضاء في تنظيم دولي يريد تدمير مصر وأنه سيتم تسليمنا إلى قوات الشرطة للتحقيق معنا لنعترف عمن يدفع لنا لتشويه سمعة مصر، كل هذا فهمته، لكن ما لا أفهمه لا وقتها ولا بعد ذلك ولا أظن أنني سأفهمه أبدا، هو لماذا قام كثير من الخائفين على وطنهم باعتصار ثديي جودي وإدخال أصابعهم في مؤخرتي؟
مقال لبلال فضل علي موقع مدي مصر

Blogroll

كن من أصدقائنا!